حياة محمد ﷺ الإنسان & الرسول
إعداد/ د.عبد المنعم خليل وهبي
عظمة شخصية الرسول ﷺ كإنسان تجلت في كل أخلاقياته وتصرفاته خلال 40 سنه قضاها بين قومه في مكة - قبل البعثة الربانية, ولقد شهد له أهله جميعا خلالها بانه لا يكذب مطلقا... ولا يقسم بأي من أصنامهم, ويحافظ على كل حق لغيره - إذا أئتمنه أحدهم على شيء لديه, .... حتي لقبوه جميعا بأنه (الصادق الامين).
** و(بمشيئة الرحمن) سوف نستعرض في حلقات هذه السلسلة من المقالات البحثية عن الجانب الإنساني - الذاتي في شخصية الرسول ﷺ خلال سيرته العطره قبل وبعد (البعثة المباركه), وكيف أن مفاتيح شخصيته المتميزه (كإنسان أولا) متطابقة تماما مع كل القواعد الإسلامية الملزمة حتى (من قبل) نزول الوحي عليه بالقرآن العظيم, وبه كل التكاليف الإلاهية الواجب توفرها لدى المسلمين والمؤمنين المتمسكين بفروض ربهم والمتجنبين لنواهيه.
-------------------------------------------------
بحث عن السيرة النبوية / السيرة المحمدية العطرة
6- تجهيز الرسول ﷺ للهجرة ليثرب
تسرية الرحمن عن الرسول بعد (عام الحزن)
أولا :- بنزول الوحي بسورة يوسف بأكملها
- وهي السورة الوحيدة بالقرآن, التي تحكي قصة نبي الله يوسف بأكملها- (وهي أحسن القصص).
- والقصة تروي كيف عانى النبي يوسف العنت من إخوته أولا, ثم من غيرهم كثيرا, لكنه تحمل وصبرعلى ما لاقاه في حياته (من ظلم وسوء جزاء), حتى وصل لأفضل مكانه في مصر,
{ .......... إنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } (يوسف – 90)
* وهى أحسن (كلمات الرحمن), التي توقف تمادي رسولنا العظيم ﷺ في الحزن واليأس.
ثانيا :- رحلتي الإسراء والمعراج
- حدثت الرحلتين خلال وقت قليل جدا (وبدون زمن تقريبا), وكل أحداثهما كانت لتكريم الرسول ﷺ, وطمأنته على عظم مكانته عند ربه, رغم تألمه ومعاناته مما أصابه خلال (عام الحزن) الذي سبقهما.
- ولقد إنصب رفض المشركين الفوري لحدوث الرحلتين, على عدم قبولهم لحدوث (رحلة الإسراء) بالذات وكل أحداثها, فكيف لها أن تتم في جزء من ليلة واحدة, بينما يستغرق سفرهم لبيت المقدس شهرا مرهقا, مع إجهادهم لأكباد الابل للإسراع خلاله.
- أما (رحلة المعراج) فلم تركز قريش على إنكارها في وقتها, ثم جاء ذكر تفاصيل بعض أحداثها فيما بعد (في سورة النجم), كما جائت تفاصيل اخرى بالأحاديث النبوية.
- لكن ما حدث للرسول ﷺ بالرحلتين, كان إمتاع واكرام عظيم له, أكد مكانته فوق من سبقه من الأنبياء والرسل, وتأكد ذلك حينما أمهم جميعا في الصلاة, عند (صخرة المعراج) المباركة, ثم خلال صعوده الرائع مع جبريل عند إرتقائهما في طبقات السماوات العلا, مع معجزات لقاءه بأجداده من الأنبياء والرسل في كل سماء منها, بالإضافة لدعاء كل منهم له بالخير.
- لكن لما إقترب مع جبريل لسدرة المنتهى – (عندها جنة المأوى), تراجع جبريل عن مرافقة الرسول ﷺ, ليتقدم بمفرده, حتى يتلقى من ربه مباشرة (فرض الصلاه) الأعظم على المسلمين, لتكون صلة يومية لهم بخالقهم, (وصارت تساوى مكانة 50 صلاة يوميا عند الخالق), بعد ما خفضها الرحمن إلى خمس فقط (في اليوم والليله), وهي قربى عظيمة من ذي العرش الكريم.
الرسول ﷺ يُمهد للهجرة ليثرب
ما هي ( منطقة العقبة ) ؟
سميت بذلك, لأنها كانت في الأصل (3 قمم لجبال صغيرة), كانت مثل (العقبات) في طريق مسيرة الحجاج نحو مكة لأداء طواف الوداع, من بعد إتمامهم لمناسك الحج. وكان الحجاج وقتها يصعدون ويعبرون فوق قمم هذه العقبات الثلاثة, ليرموا شواهد الشيطان من كل منها بالحصيات ويكون شاهد الشيطان أسفل منهم .
- ثم أزيل الجبل منذ سنوات عديده, وأصبحت منطقتة مستويه تماما.
ما أصل تسمية العقبات الثلاث ؟
- جدنا (النبي – خليل الله - إبراهيم عليه السلام) لما أراد أن ينفذ الرؤية الربانية, بإن يذبح ولده وحيده (جدنا النبي اسماعيل عليه السلام) توجه لأواخر منطقة منى القاحلة (ضمن حدود الحرم) في صحراء مكة, وإصطحب معه إبنه إسماعيل وامرأته هاجر, ليبر بما أوحي اليه.
- فتعقبه الشيطان وظهر له عند (العقبة الكبرى) ليراوده بأن لا يذبح ابنه الوحيد, فحصاه نبي الله إيراهيم بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض, فعرض له بعدها ثانية (بالعقبة الوسطى) فرماه جدنا إبراهيم بسبع أخريات فساخ في الأرض، ثم عرض له بالمرة الثالثة (بالعقبة الصغرى)، فرماه بالسبع الثالثة, فساخ تماما في الأرض (غاص وغاب فيها تمامًا) .
بيعة العقبة الأولى/ بداية الطريق لنصرةالإسلام
- لم ييأس الرسول ﷺ ولم يتقاعس عن الدعوة للإسلام, رغم ما لاقاه من عنت (أهل مكة ثم الطائف) مع تكذيبه وأذيته، بل أستمر يخرج لدعوة زوار مكة من العرب في المواسم والأسواق, وليعرض نفسه ودينه على القبائل, فكانت مواقفهم متباينه معه, بينما كان مشركي مكة يلاحقون دعوته لهم بالتكذيب والإهانات.
- في (العام 11) من البعثة النبوية، قدم لمكّة 6 رجال من يثرب (من قبيلتي الأوس والخزرج) للحج, ثم استجابوا لدعوة الرسول ﷺ عندما التقوا به ليلا وبايعوه (عند العقبة الكبرى)، على ألا يشركوا بالله شيئا، ولايسرقوا، ولايزْنوا، ولايقتلوا أولادهم، ولايأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولايعصونه في معروف، وقبل الرسول ﷺ منهم إسلامهم.
- ثم عادوا بعد موسم الحج ليعلموا سائر آهاليهم بيثرب بما عرفوا عن الأسلام..
تأكيد البيعة في موسم الحجّ التالي
- في موسم الحج (بالعام 12) من البعثة النبوية, حضر للحج وفد أكبر من أهل يثرب, والتقى بهم الرسول ﷺ أيضا في منطقة العقبة الكبرى (حيث حدثت بيعة العقبة الأولى) من سابقيهم، وأخبروه بأن كثيروًن بيثرب يريدون الدّخول في الإسلام. فبعث معهم (مصعب بن عمير) ليسمعهم القرآن ويفقههم في الدين.
ولقد نجح مصعب في مهمته تماما, حيث أدخل بحكمته وحلمه الإسلام والقرآن في كل دور يثرب.
- قبيل موسم الحج التالي, رجع (مصعب) لمكة، وشرح للرسول ﷺ أحوال المسلمين في يثرب، وتغلغل الإسلام في كل من قبيلتي (الأوس والخزرج) بالبلدة. كما ذكر للرسول ﷺ أن اليهود في يثرب يساكنون القبيلتين العربيتين, وأنهم دوما يهددونهم بقرب ظهور نبي (قد أظل زمانه)، وأنهم سيتبعونه، وسيقتلون معه عرب يثرب (مثل قتل عاد وإرم).
- لذلك لما وصلهم نبأ ظهور (نبي الأسلام) في مكة، قالوا لبعضهم البعض:
" تعلمون إنه النبي الذي توعدكم به اليهود، فلا يسبقونكم إليه "..
بيعة العقبة الثانية وحصول الرسول على (العهد الوثيق)
- فلما كان (حج العام 13) من البعثة النبوية, قدِمَ وفد أكبر من أهل يثرب بالموسم، وواعدوا الرسول ﷺ سرا، ليلتقوه عند العقبة كالسابق, وبعد مضي ثلث الليل الأول، وكان عددهم 73 رجلاً، وامرأتان.
- فوافاهم الرسول ﷺ هناك, ومعه عمه (العباس بن عبد المطلب) - وكان لايزال مشركا - لكنه جاء ليستوثق لابن أخيه منهم، وقال لهم :
إن كنتم ترون أنكم وافُون له بما دعوتموه إليه ومانعوه، فأنتم وذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلِموه (فمن الآن دعوه)؛ فإنه في عز ومنعة بين أهله.
فقال الأنصار: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، وخذ لنفسك ولربك ما أحببت فقال الرسول ﷺ:
- (تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم).
- فبايعه الأنصارعلى السمع والطاعة، والنفقة في العسر واليسر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصرة الدين.
فلما بدأت أنباء البيعة الوثيقة تتسرب أخبارها لقريش, وعما دار بين النبي ﷺ وأهل يثرب؛ جُنَّ جنونهم، وصعدوا التعذيب والإيذاء للمسلمين.
- فأمر الرسول ﷺ من يتمكن من المسلمين بالهجرة إلى الى يثرب (سرًّا وفرادى). وكان أول من هاجر ليثرب (أبو سلمة المخزومي), الذي خرج بعد بيعة العقبة الأولى بأيام قليله.
تخطيط الرسول لهجره المسلمين ليثرب
هجرة الرسول ﷺ إلى يثرب حدث فارق في التاريخ الإسلامي والتاريخ الإنساني كله، وكان لها عظم الأثرعلى الدعوة المحمدية وسطوع قيمها الروحانية السامية، وهو ما جعل الحضارة الإسلامية تتبوأ مكانة رفيعة بين كل حضارات البشر.
ولقد سبق حدوث الهجرة تمهيد، وإعدادٌ، وتخطيط رباني من الله لرسوله الأكرم ﷺ, وضم ذلك :
- تجهيز المهاجرين المسلمين للحدث الأعظم.
- إستعداد أرض وأهل المهجَر لحمايتهم ورعايتهم.
أولاً: التَّمهيد والإعداد للهجرة
1 – إعداد المسلمين للهجرة:
الهجرة قرار صعب, يتضمن مغادرةُ الأرض، والأهل، والأقارب والأصَّدقاء, وهجرالمودَّة، وأسباب الرِّزق، وسيضطر المسلمون للتَّخلِّي عن كلِّ ذلك لأجل التمسك بعقيدتهم. ولذلك فحتَّى يصل المسلمون للقناعةٍ الكاملةٍ بحتمية الهجرة بدينهم، يحتاج إلى :
- تَّمسك إيمانيَّ عميق بالإسلام, مع ثقة تامة بأن ربه لن يتخلى عنه.
- التضرر من الاضطهاد بمكة, والتأكد من إستحالة معايشة المشركين فيها.
- لذلك نزلت أيات القرآن تدعوهم لهجرة أرض المعاناه, لغيرها, كي يجاهدوا بدينهم فيها :
﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النحل: 110].
2 – تجهيز يثرب لإحتضان الإسلام
لم يسارع الرَّسول ﷺ بالانتقال ليثرب بعد بيعة أهلها الأولى؛ وإنَّما أخَّر ذلك لأكثر من عامين؛ حتَّى يتأكَّد من مكانة الإيمان بين أهلها ، ولذلك بعث اليهم (مصعب بن عمير) لينشر الإسلام والقرآن بينهم ويثبت إيمانهم.
3- التأكد من التزام أهل يثرب بدعم الرسول ﷺ ودعوته
وهو ما ضمنته عهودهم في بيعة العقبة الثَّانية، حيث قدموا معها أقوى المواثيق على أنفسهم، حتى أنهم رغبوا في المبادرة فورا بمهاجمة المشركين (الذين في مِنًى) بسيوفهم , لأنهم آذوا الرسول ﷺ. لكنّ الرسول ﷺ منعهم قائلا :
«لم نؤمر بذلك».
- وهكذا تمَّ إعداد أهل يثرب؛ ليكونوا جاهزين لإستقبال المهاجرين بإسلامهم، مع ما سيتطلب ذلك من تَبِعَات.
ثانيا : ترغيب مسلمي مكَّة في الهجرة ليثرب
- توالى بذلك نزول ايات القرآن الداعية لذلك, ومنها "
﴿ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمنوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴾ [العنكبوت: 56] .
- لأن سعة أرض الله لا تضطرالمسلمين للبقاء تحت أذى الكفار بأي منطقة، بل لهم أن يهاجروا لأرض يظهرون تَّوحيدهم فيها بلا معاناه وبلاخوف على أرِّزاقهم, لأن الله يضمنها لجميع خلقه,... وحيثما كانوا,
﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ دَآبَّةٍ لاَ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ا للَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [العنكبوت: 60].
- وبالفعل, اتت الأرزاق للمهاجرين واسعة في مهجرهم، وسرعان ما صار معظمهم بين موسري تلك البلاد.
ثالثاً: وصول طلائع المهاجرين ليثرب
المقصد الأساسي للهجرة إلى المدينة هو إقامة (أول دَّولة إسلاميَّة), وهي الَّتي ستتحمل مسئولية الدَّعوة والجهاد في سبيل نشر الإسلام, حتَّى يكون الدِّين كلُّه لله. ولذلك كان التَّوجه إلى يثرب بأمر من الله تعالى،
فعن عائشة رضي الله عنها, أنها قالت :
لـمَّا صدر السَّبعون (رجال العقبه) من عند رسول الله ﷺ ؛ طابت نفسه، وقد جعل الله له منعةً، وقوماً أهل حربٍ، وعدَّةٍ، ونجدةٍ. وجعل البلاء يشتدَّ على المسلمين من المشركين؛ لما يعلمون من الخروج، فضيَّقوا على أصحابه، وتعبَّثوا بهم، ونالوا منهم (بما لم يكونوا ينالون من الشَّتم والأذى)،
فشكا ذلك أصحابُ رسول الله ﷺ واستأذنـوه في الهجرة، فقال:
« قـد أُريت دار هجرتكم، أريت سبخةً ذات نخلٍ بين لابتين (وهما الحرَّتان)- ولو كانت السَّراة أرض نخلٍ، وسباخٍ؛ لقلت: هي، هي» [البخاري (2297)] .
- ثمَّ مكث أياماً، وخرج إلى أصحابه مسروراً فقال:
«قد أخبرت بدار هجرتكم، وهي يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها»
- فجعل القوم يتوافقون، ويتواعدون، ليخرجوا، ويخفون ذلك.
ترقب أهل يثرب لوصول المسلمين
- كان ترقبًهم حارًا مليئًا بالإستعداد للبذل والاستقبال الكريم والترحيب الشديد, وأخذوا يدعونهم عند الوصول للنزول في بيوتهم، مؤازرين إياهم بتقديم السكن والطعام ومشاركة الأموال.
- وكان نفرٌ من الأنصار قد بايعوا رسول الله ﷺ في البيعة الآخرة، ثمَّ رجعوا إلى يثرب، فلـمَّا قدم أوَّل مَنْ هاجر إلى قُباء؛ عادوا إلى رسول الله ﷺ بمكَّة، ثم قدموا ثانية (مع أصحابهم) ليثرب في هجرتهم، فكانوا (مهاجرون أنصاريُّون)، وهم :
(ذكوان بن عبد قيس، وعقبة بن وهب بن كلدة، والعباس بن عبادة بن نضلة، وزياد بن لبيد).
- بعدها خرج معظم مسلموا مكة ليثرب، ولم يتبقَ منهم بمكَّة إلا رسول الله ﷺ ، ومعه أبو بكر، وعليّ بن أبي طالبٌ، وربما مسلم يخفي إسلامه ( أو مفتونٌ، أو مريضٌ، أو ضعيفٌ) ولا يقوى على الخروج .
- وبعد تمام تنفيذ خطط وتجهيزات الرسول ﷺ لهجرة أغلب مسلمي مكة ليثرب, وجب علينا أن نتابع هجرة الرسول ﷺ بنفسه مع صاحبة الصديق, وما حدث خلالها من أحداث هامه.
----------------------------------------------
إعداد/ د. عبد المنعم خليل وهبي
أستاذ بالأكاديميه الصحية بالسعودية سابقًا
سلسلة مقالات: حياة محمد ﷺ الإنسان & الرسول
2- مولد محمد - تمهيد لنزول الرحمة بالبشر
ليصلك كل ما هو جديد ومفيد وصحي برجاء الإعجاب بصفحتنا على الـ FaceBook

.jpg)
%202.png)
%203.jpg)

ربنا يجعله في ميزان حسناتك يا دكتور.