حياة محمد ﷺ الإنسان & الرسول
إعداد/ د.عبد المنعم خليل وهبي
عظمة شخصية الرسول ﷺ كإنسان تجلت في كل أخلاقياته وتصرفاته خلال 40 سنه قضاها بين قومه في مكة - قبل البعثة الربانية, ولقد شهد له أهله جميعا خلالها بانه لا يكذب مطلقا... ولا يقسم بأي من أصنامهم, ويحافظ على كل حق لغيره - إذا أئتمنه أحدهم على شيء لديه, .... حتي لقبوه جميعا بأنه (الصادق الامين).
** و(بمشيئة الرحمن) سوف نستعرض في حلقات هذه السلسلة من المقالات البحثية عن الجانب الإنساني - الذاتي في شخصية الرسول ﷺ خلال سيرته العطره قبل وبعد (البعثة المباركه), وكيف أن مفاتيح شخصيته المتميزه (كإنسان أولا) متطابقة تماما مع كل القواعد الإسلامية الملزمة حتى (من قبل) نزول الوحي عليه بالقرآن العظيم, وبه كل التكاليف الإلاهية الواجب توفرها لدى المسلمين والمؤمنين المتمسكين بفروض ربهم والمتجنبين لنواهيه.
-------------------------------------------------
بحث عن السيرة النبوية / السيرة المحمدية العطرة
7- مع الرسول في هجرته المباركة
فشل المشركين في إغتيال الرسول قبل هجرته
- فشلت قريش في منع معظم
الصَّحابة من الهجرة ليثرب, وعندها قدروا خطورة الحال لو تمكن الرسول ﷺ من الخروج بنفسه الي المهاجرين, وخافوا لذلك على
مصالحهم الاقتصاديَّة، ومكانتهم بين قبائل العرب.
لذلك اجتمعت قياداتهم في (دار النَّدوة) للتشاور
في كيفية منع الرسول ﷺ من اللحاق بأتباعه, وأثبت القرأن تحاورهم,
وخلال تشاورهم في كيفية الخلاص
من الرسول ﷺ , قال بعضهم: إذا أصبح أوثقوه وإحبسوه حتَّى يموت...
وقال غيرهم: بل اقتلوه،..... حتى
إستقر رأيهم على جمع أقوى الفتيان من مختلف القبائل, لينتظروا خروجه من منزله صباحا,
فيضربوه بسيوفهم ضربة رجل واحد, ليتفرق دمه بين القبائل, ويرضى أهله بقبول الدية
عنه.
فلما أطلع الوحي الرسول ﷺ بذلك, لم يعد للهجرة فورا من بديل, بعدها قرر الرسول ﷺ بقاء ربيبه (علي بن أبي طالب) مكانه في بيته, ليرد للناس أماناتهم المحفوظة لدى الرسول ﷺ , بعد مغادرته, ولذلك بات (على) في فراش الرسول ﷺ تلك اللَّيلة. وبرحمة الله خرج الرسول من بيته بسلام, بل ومر على مترصديه ببابه، لكنهم لم يلحظوه. فلـمَّا أصبحوا؛ ثاروا إلى فراشه، فوجدوا عليّاً مكانه. فقالوا له: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري!
فخرجوا ليقصُّوا أثره بالطرق, حتى
بلغوا جبل ثور، وصعدوا عليه لفحص غيرانه, لكن اختلط عليهم الأمر، حيث أوصلهم
الأثر لغار صغير بأعلى الجبل، ومدخله مغطي بنسج ضخم لعنكبوت. فقالوا:
لوكان دخل هاهنا لم يكن العنكبوت لينسج على المدخل, ولذلك تحولوا للبحث بعيدا.
- وكان عندما أحاط المشركون
بالغار، وأصبحوا منهم رأيَ العين؛ خاف
الصِّدِّيق من رؤيتهما.
فعن أبي بكرٍ الصِّدِّيق : قلت للرسول ﷺ وأنا في الغار: لو أنَّ أحدهم نظر تحت قدميه؛ لأبصرنا،
فقال الرسول ﷺ : «ما ظنُّك يا أبا بكر! باثنين الله ثالثُهما؟».
} إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ
نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ
الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَار إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا
تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا
السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ
عَزِيزٌ حَكِيم { (التوبه -40(
الّتَجهيز المسبق لرحلة هجرة الرسول
بعد خروج معظم الصحابة من مسلمي
مكة مهاجرين ليثرب, ظل الرسول ﷺ يترقب الأذن الإلاهي له بالرحيل, ولذلك إبتاع
أبو بكر الصديق راحلتين, كما استأْجَر الدليلَ (عبد الله بن أريقط) – من بني
الدَّيْل بن بكر(وكان مشركاً) – لكنه ماهر بالطرق – ليدلهما حتى الوصول ليثرب، ودفع
إليه بالراحلتين (وقد أمِنَه على السرُ)، فكانتا عنده يرعاهما, حتى يطلبهما,
فيوافي أبو بكر بهما عند (جبل ثور), حين يأزف الخروج, وبعد 3 أيام من إخطاره بذلك
خروج الرَّسول وصاحبه إلى الغار
غادر الرسول منزله صباحا بعد ما نجا
من مترصديه, وتوجه متباعدا ومتحرزا (لإخفاء توجهه) تلقاء بيت أبو بكر,حتى وصله قرب
الظهيرة.
- فعن عائشة بنت أبي بكر –
(وكانت وقتها صبيه) قالت عن يوم الرحيل للهجرة:
كان الرسول ﷺ يأتي بيت أبي بكرٍ أحد طرفي النَّهار، إمَّا بُكرةً، وإمَّا عشيَّةً، حتَّى إذا كان اليوم الَّذي أُذِن فيه للرسول ﷺ في الهجرة والخروج من مكَّة. أتانا الرسول ﷺ بالهاجرة (الظهيرة) متقنِّعاً؛ وفي ساعةٍ كان لا يأتي فيها.
فلـمَّا رآه أبو بكر، قال:
ما جاء الرسول ﷺ هذه السَّاعة إلا لأمرٍ حَدَث.
فلـمَّا دخل الرسول ﷺ ؛ تأخَّر له أبو بكر عن سريره، فجلس الرسولُ ﷺ وليس عند أبي بكر إلا أنا، وأختي أسماء، فقال الرسول ﷺ : «أخْرِجْ عنِّي مَنْ عندك»؛ فقال: يا رسول الله! ﷺ إنَّما هما ابنتاي. وما ذاك؟ فداك أبي، وأمِّي! فقال: «إنَّه قد أُذن لي في الخروج والهجرة».
فقال أبو بكر: الصُّحبة يا رسول
الله! ﷺ , ورأيت أبا بكر يبكي يومئذٍ، فقال الرسول: «الصُّحبة».
ثمَّ قال أبو بكر: يا نبيَّ
الله! إنَّ هاتين راحلتان، قد كنت أعددتهما لهذا. فخذ بأبي أنت يا رسول الله! إحدى راحلتيَّ هاتين، فقال الرسول ﷺ : «بالثَّمن».
قالت عائشة : فجهَّزناهما أحسنَّ الجهاز، وصنعنا
لهم سُفرةً في جِرابٍ، وقطعت أسماء أختي قطعةً من نطاقها، فربطت به على فم الجراب،
فبذلك سمِّيت ذات النطاقين.
ثم خرجا من خوخة - لأبي بكر- ( "خوخة أبي بكر" باب ضيق) في ظَهْرِ بيته، للإمعان في الاستخفاء عن عيون قريشٌ, ولحقا بغارٍ في جبل ثور.
- بعدها وصل نفر من قريش لبيت أبو بكر وهم يقصون
أثر الرسول ﷺ , وكان فيهم أبو جهل (عمرو بن هشام)، فوقفوا على باب أبي بكر،
فخرجت إليهم أسماء، فقالوا : أين أبوك يا بنت أبي بكر؟
قالت : لا أدري
والله أين أبي ؟ .. فرفع أبو جهل يده ، وكان فاحشا خبيثا، فلطم خدها لطمة طرح منها
قرطها .
- بعدها جاء جدها أبو قحافة
(وكان قد عمي) يشتكي لأسماء من أن رحيل أبا بكر "قد فجعهم بماله ونفسه".
فطمأنته أسماء بذكاء، حيث وضعت
أحجارا صغيرةً في كوة بالبيت وغطتها بثوب، وأخذت بيد جدها ليلمسها, فظن أنها
أموال، فقال: "أما إذ ترك لكم هذا، فنعم"
رعاية الرسول ﷺ وصاحبه وهما مختبئان بالغار
كمن الرسول وصاحبه 3 ليالٍ بالغار، وكان في ظلمة
كل منها يبيت عندهما (عبد الله بن أبي بكر)، وهو غلامٌ شابٌّ، ثم يُدلجُ من عندهما
بالسَحَرٍ، فيصبح مع قريشٍ بمكَّة (كبائتٍ بينهم)، فلا يسمع أمراً عنهما إلا
وَعَاهُ، حتَّى يأتيهما بخبره حين يختلط الظَّلام. بينما يرعى علي أثره (عامر بن فهيرة) مولى أبي
بكر بالغَنَم، ثم يريحهم على المنطقة عشاء، فيبيت أهل الغار مع اللبن – حتى يرحل
بها عامر بَغَلسٍ النهار, ويفعل ذلك كلِّ ليلةٍ من تلك اللَّيالي الثَّلاثة.
- فلما هدأ الطَّلب، ويئس
المشركون من الوصول إلى الرسول ﷺ وصاحبه, إنطلق الركب بالناقتين وخلفهما عامر
بغنمه، فأخذهم الدَّليل إلى طريق السَّواحل, وهو طريقً غير معهودٍ؛ ليخفي أمرهما
عمَّن يلحق بهم من كفار قريش.
دعاء الرسول ﷺ عند مغادرته مكَّة
قال ﷺ :
«والله إنَّكِ لخيرُ أرض الله، وأحبُّ أرض
الله إلى الله، ولولا أني أُخْرِجت منك ما خَرَجْتُ»
الرسول ﷺ يمر بخيمة أم معبد في هجرته
في الطريق إلى المدينة،
مرَّ الّرسول ﷺ وصاحبه ودليلهما بخيمة تقيم بها (أمِّ مَعْبَد)
الخزاعية العجوز, فسألوها الطعام ليشتروه منها، فلم يصيبوا عندها شيئاً، فنظر الرسول ﷺ إلى شاةٍ هزيلة لديها، فقال: «ما هذه الشَّاة يا
أمَّ معبد؟!» قالت: خلَّفها الجَهْد عن
الخروج مع الغنم، قال: «فهل بها من لبنٍ؟» قالت: هي أجهد من ذلك.
قال: «أتأذنين أن أحلبها؟» قالت:
بلى, إن رأيت بها حَلْباً. فدعا بها الرسول ﷺ ومسح بيده ضرعها، وسمَّى الله
عزَّ وجلَّ، ، فدَرَّت بالإناءٍ. ثمَّ سقاها حتَّى رَوِيت، وسقى أصحابه؛ حتَّى رَوَوْا،
وشرب آخرهم الرسول، ثمَّ حلب ثانيةً حتَّى ملأ الإناء، فغادره عندها، وارتحلوا
عنها.
فلَّما جاء زوجها (أبو
معبد)، رأى اللبن؛ فتعجب، وسالها: من أين لك هذا اللَّبن يا أمَّ معبد! والشَّاة
عازبٌ، ولا حَلُوبة في البيت. قالت: لا والله ! إلا أنَّه مرَّ بنا رجلٌ
مبارك، فعل كذا وكذا. قال: صفيه لي يا
أم معبد!
فوصفت الرسول له. فقال أبو معبد: هو والله صاحب قريش؛ الَّذي
ذكر لنا من أمره بمكَّة، ولأصحبنه إن وجدت إلى ذلك سبيلاً.
سراقة بن مالك يلاحق ركب الرسول ﷺ
بعد فشل قريش في منع خروج الرسول ﷺ , أعلنوا في نوادي مكَّة :أنَّه من يأتِ بالرسول حيَّاً
أو ميتاً، فله مئة ناقةٍ. وانتشر الخبر بين الأعراب حول مكَّة، وكان أحدهم
(سراقة بن مالك ) الذي طمع في المكسب.
فلما أخبره أعرابيا بعدها بأنه رأى حالا ركبا بالسَّاحل، ربما هم الرسول ﷺ وأصحابه، ضلله سراقة عنهم, بأنهم ركب أخرين ويعرفهم. ثمَّ بعد فترة، تسلل بفرسه من ظَهْر بيته, وإتجه مسرعا إالى ركب الرسول ﷺ , وعندما دنى منهم، عَثَرت به فرسه، فخرج عنها. ثم قام وركب فرسه، ليقترب من الركب، فسمع قراءة الرسول ﷺ ، لكنه لم يلتفتُ، وعندها سَاخَتْ يدا الفرس (الأماميتين) في الأرض (غاصت في الأرض)؛ حتَّى بلغتا الرُّكبتين، فنزل عنها، ثُمَّ زجرها، فنهضتْ، لكنها لم تكد تُخْرِجُ يديها وتستوي قائمةً؛ حتى خرج من أثر يديها مثل الدخان وسطعٌ في السَّماء.
- فناداهم سراقة بالأمان، فوافقوا، فركب فرسه؛ حتَّى جائُهم، ووقع في نفسه بعد ما لَقِيُ من الحبس عنهم، أنه سَيظهرُ أمرُ الرسول ﷺ . فقال له : إنَّ قومك قد جعلوا فيك الدِّية. وأخبره بما يريد النَّاس بهم، وعرض عليهم الزَّاد والمتاع. فقال له الرسول: أخْفِ عنا. فسأله أن يكتب له (كتابَ أمنٍ)، فأمرَ (عامرَ بن فهيرة - مولى أبي بكر)، فكتب في رقعةٍ من أدَمٍ (جلد)، ثُمَّ مضى ركب الرسول ﷺ في طريقه .
- ويقال أنَّ الرسول ﷺ قال لسراقة بن مالك: «كيف بك إذا لبستَ سواري
كسرى؟!»
فلـمَّا فتحت فارس ,أُتِيَ لأمير
المؤمنين عمرُ (بسواري كسرى، ومِنْطَقَته وتاجه)؛ فدعا سراقة ، فألبسهم إيَّاها،
وقال له: ارفع يديك، فقال: الله
أكبر، ورفع عمر صوته بالتكبير، ثم ركب مع سُراقة، وطوَّف به المدينة، والنَّاس
حوله، وهو يرفع عقيرته بالتكبير.
- وبعد لقاء سراقه, حدث خلال الطريق إلى المدينة أن التقي الرسول ﷺ وركبه مع تجار كانوا قافلين من الشام، وفيهم (الزبير بن العوام), الذي كسى الرسول ﷺ وأبا بكر بثياب بيضاء
مع الرسول ﷺ في قرية قباء
- لما سمع مسلموا يثرب بخْروَجَ الرسول ﷺ من مكة اليهم، كانوا يخرجون كلَّ غداةٍ إلى منطقة دخول يثرب - (جهة الحَرَّة) ليترقبوه، فيظلون حتَّى يردَّهم حرُّ الظَّهيرة.
فلما عادوا لبيوتهم يوماً بعد طول انتظارهم، إذ أطلع رجلٌ من يهود من فوق أُطُمٍ لهم (حصن من حصون يثرب)، فبصُرَ بالرسول ﷺ وأصحابه مُبَيَّضين (يزولُ بهم السَّرابُ)، فلم يملكِ اليهوديُّ أن قال بأعلى صوته : يا معاشرَ العرب! هذا جَدُّكم الَّذي تنتظرونَ.
- فثار المسلمون إلى السِّلاح، ليلتقَّوا الرسول ﷺ بظهر الحَرَّة، ثم عدل بهم ركبه ذات اليمين، حتَّى نَزَل في (بني عمرو بن عوف)، وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأوَّل، وأستقر في بيت (كلثوم بن الهدْم) بقباء، بينما يجلس للناس في بيت (سعد بن خيثمة)؛ لأنه كان عَزَبًا, وينزل عنده عزاب المهاجرين من مكة.
فلما دخلا الدار, قام أبو بكر يتلقى النَّاس الآتين، بينما جلس الرسول ﷺ صامتاً.
- فإذا بمن جاء من الأنصار (ممَّن لم يَرَ الرسول ﷺ من قبل) يُحَيِّي أبا بكرٍ كأنه هو النبي، فلما أصابت الشَّمْسُ الرسولَ ﷺ ، أقبل عليه أبو بكر وظلَّلَ عليه بردائه، فعرف النَّاس أيهما الرسول ﷺ عند ذلك.
- ثم مكث الرسول ﷺ بقباء (عدة أيام), قبل أن يغادرها ليدخل (المدينة المنوره). ويقال أنه كان ينتظر وصول ابن عمه (على بن أبي طالب) إلى قباء ومعه (الفواطم الثلاثة) , بعدما خرج من مكة بعدة أيام ليلا, للهجرة (ماشيا), ومعه فاطمة (بنت الرسول) وامه (فاطمة بنت اسد - راعية الرسول) وفاطمة (بنت الزبير), حتى قدموا علي قباء وقد تفطّرت قدماه وتقرحت. فلما قال الرسول ﷺ : ادعوا لي عليّاً... قيل: أنه لا يقدر أن يمشي, فأتاه الرسول ﷺ واعتنقه وبكى, رحمةً به, لما كان بقدميه من التورم والألم.
- وكان أول عمل للرسول ﷺ بالبلدة هو بناء (مسجد قباء)، في حي (بنو عمرو بن عوف بن مالك), وشارك الرسول ﷺ المسلمون في بداية بنائه بالحجر, ثم أكمله الصحابة بعدها, فكان أول مسجد أسّس في الإسلام وصلى فيه الرسول ﷺ , من بعد هجرته من مكة.
وظل الرسول ﷺ طوال حياته يتذكر بالخير أيام إقامته في قباء, وكان بعدها كثيرا ما يأتي (مسجد قباء أيام السبتٍ) ماشياً أو راكباً فيصلي فيه ركعتين. وروي عنه قوله :
مَنْ
تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ، ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءَ فَصَلَّى فِيهِ صَلَاةً
، كَانَ لَهُ كَأَجْرِ عُمْرَةٍ"
موكب الرسول ﷺ لدخول المدينة المنورة
- المسافة على الطريق المباشر(حاليا)
بين قباء ومدخل المدينة المنورة (حوالي 3,5 كم), لكنها كانت على العهد النبوي آطول
من ذلك كثيرا وأشق, وكانت تمتد بين عدد من التلال والأودية.
- لما أراد الرسول ﷺ الارتحال لدخول يثرب، بعد ما وصل (ركب على) بسلام, وأطمأن عن أحوال تواجد (المسلمين المهاجرين داخلها), فأرسل إلى الأنصار من بني النجار (أخواله بيثرب), فجاءوا متقلدين سيوفهم، وقالوا للرسول ﷺ وصاحبه الصديق: « اركبا آمنين مطاعين»،... وحَفُّوا دونَهما بالسِّلاح.
فركب الرسول ﷺ في (يوم الجمعة) ناقته (القصواء)عند ارتفاع النهار, وأبو بكر ردفه.
وعند بداية وصول الركب إلى بدايات ديار يثرب، حف بهم أهلها وهم يهتفون صائحين : (جاء نبيُّ الله..، جاء نبيُّ الله.. جاء نبيُّ الله..) وكان كلما مر على حي من مسلمي الأنصار دعوه أهله للنزول عندهم، وقالوا:
هلم يا رسول الله (إلى العز
والمنعة والثروة)، فيقول لهم خيرًا -
ويدعو لهم بالخير،
- وفى طريقه إلى يثرب، أدركت
الرسول ﷺ صلاة الظهر, عند ديار (بنى سالم بن عوف)، فصلى
بهم الجمعة، وخطبهم ببطن (وادى رانونا)، فكانت هي (أول صلاة جمعة) في الإسلام, وبموقعها
بني فيما بعد (مسجد الجمعة).
استقبال الأنصار لرسول الله ﷺ
كان وصول الركب يوم فرحٍ وابتهاجٍ، لم ترَ
يثرب يوماً مثله، ولبس النَّاس أحسن ملابسهم، كأنَّهم في يوم عيدٍ، وكان ذلك حقّاً
لانتقال الإسلام فيه من حيِّز لضَّيِّق
بمكة، إلى رحابة الانتشاربالمدينة المنورة, ومنها لسائر بقاع الأرض. وكان الرِّجال والنِّساء فوق البيوت، بينما الغِلْمَان
والخدم في الطُّرق، والجميع ينادي:
" يا محمد! يا رسول الله! يا محمَّد! يا
رسول الله!! "
- ثم واصل ركب الحبيب ﷺ سيره وسط تلك الحشود, وكانت الجموع حول ناقته فى ذلك اليوم التاريخى، تحاول جذب ناقته لمنازلهم, بينما هو يقول:« خلوا سبيلها فإنها مأمورة» يقصد (ناقته القصواء) وأن الله حدد لها المكان الذي تذهب إليه, وكان قد مرخ لها الزمام. ثم بركت ناقة الرسول ﷺ ووثبت، فسارت غير بعيد، ثم بركت ثانية، وتلحلحت وضربت بجرانها فى الأرض، . فقال الرسول ﷺ : أيُّ بيوتِ أهلنا أقرب؟
فقال أبو أيوب: أنا يا نبيَّ
الله! هذه داري، وهذا بابي، قال:
فانَطَلِقْ فهيىءْ لنا مقيلاً….»
فعندها نزل الرسول ﷺ عن ناقته, بينما أسرع أبو أيوب وإحتمل (رحل الناقة) ووضعه فى بيته، ونزل الرسول ﷺ - بداره، (وهو أحد أخوال أبيه) من بنى النجار. وأقام لديه بضعَ عَشْرَةَ ليلةً , حتَّى بنى مسجد الرسول ﷺ، ومساكنه.
* وبذلك إكتملت هجرة الرسول ﷺ , بكل أحداثها المشهوره والموثقة, (والثابتة على الأقل بالتناقل),
لكننا حرصنا على ذكرها بترتيبها الزمني, وفي موضعها الأصح, لمنع التداخل فيما
بينها عند التركيزعلى ذكر كل منها منفردا.
* وهكذا
إكتملت هجرة الرسول ﷺ ليقود أصحابه بالمدينة المنوره, بعد ما تحملوا مصاعب
هجرتهم وتَّحدِّياتها، ثم شاركوا الأنصار في الجهاد, وصولا لغرس أسس مستقبل باهر
للأمَّة والدَّولة الإسلاميَّة.
وبذلك أسسوا
حضارةً إنسانيَّةً رائعةً، قامت على مثل من (الإيمان، والتَّقوى، والإحسان، والعدل).
وبهذه القيم تغلَّبوا (مع أبنائهم وأحفادهم) - وخلال سنوات معدوده, على أقوى دولتين كانتا تحكمان الأرض وقتها، وكانتا: دولة الفرس، ودولة الرُّوم.
----------------------------------------------
إعداد/ د. عبد المنعم خليل وهبي
أستاذ بالأكاديميه الصحية بالسعودية سابقًا
سلسلة مقالات: حياة محمد ﷺ الإنسان & الرسول
2- مولد محمد - تمهيد لنزول الرحمة بالبشر
ليصلك كل ما هو جديد ومفيد وصحي برجاء الإعجاب بصفحتنا على الـ FaceBook

